الأحد، 20 سبتمبر، 2015

معركة موهاكس .. سقوط حامية الصليب

المجر عداوة لا تنتهي :
منذ أن بزغ نجم الدولة العثمانية على الساحة الأوروبية خاصة في منطقة البلقان، تزعمت مملكة المجر -والتي كانت تعتبر وقتها أقوى الممالك النصرانية- قيادة التحالف الأوروبي الصليبي، ودخلت في عدة معارك طاحنة ضد الدولة العثمانية، بل إن ملوك المجر أنفسهم كانوا يشتركون في القتال بأنفسهم، ومن أشهر المعارك التي خاضتها المجر ضد المسلمين العثمانيين معركة نيكوبلس سنة 798هـ في عهد السلطان بايزيد الصاعقة، حيث قاد سيجموند ملك المجر تحالفًا صليبيًا مكونًا من ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وإسكتلندا ولوكسمبرج، وانتصر المسلمون، ومعركة فارنا سنة 848هـ في عهد السلطان مراد الثاني، حيث قَادَ لاديسلاسي ملك المجر تحالفًا صليبيًا جديدًا يفوق سابقه، وانتصر المسلمون وقَتَل مرادُ الثاني لاديسلاسي بيده في مبارزة رهيبة بين الرجلين، وهكذا ظلّت مملكة المجر طوال قيامها مملكة للشر والتآمر ضد الدولة العثمانية ورأس حربة في الصراع بين الإسلام والنصرانية في القارة الأوروبية عمومًا ومنطقة البلقان خصوصًا.

معركة موهاكس :
معركة موهاكس هي معركة وقعت بين الدولة العثمانية ومملكة المجر في 29 أغسطس 1526م.
كان يقود قوات العثمانيين السلطان سليمان القانوني أما المجريون فكان يقودهم ملكهم لويس الثاني.
قدر عدد جنود الجيش العثماني بحوالي 100 ألف جندي وعدد من المدافع و800 سفينة، بينما قدرت أعداد الجيش المجري بنحو 200 ألف مقاتل.
أدى انتصار العثمانيين في هذه المعركة إلى إحكام سيطرتهم على المجر وفتح عاصمتها بودابست والقضاء على ما كان يعرف باسم مملكة المجر.
حتى هذا اليوم، يعتبر المجريون هزيمتهم في هذه المعركة شؤما عليهم ونقطة سوداء في تاريخهم، على الرغم من انقضاء أكثر من 400 عام إلا أن هناك مثل شائع لدى المجريين «أسوأ من هزيمتنا في موهاكس» ويضرب عند التعرض لحظ سيء.


أسباب المعركة :
هب مبعوث سليمان القانوني لأخذ الجزية من ملك المجر وزعيم أوروبا وقتها "لويس الثاني"، وكانت المجر هي حامية الصليبية في أوروبا وقتها، فقام بذبح رسول سليمان القانوني بإشارة من البابا في الفاتيكان، فقد استعدت الكنيسة وأوروبا جيداً لقتال سليمان القانوني، فجهز سليمان القانوني جيشه، وكان عبارة عن 100 ألف مقاتل، و350 مدفعا، و800 سفينه، وحشدت أوروبا جيشها، وكان عدده 200 ألف فارس، منهم 35 ألف فارس مقنع كاملا بالحديد.
عند تلك اللحظة الحاسمة في التاريخ أعلن بابا الفاتيكان كليمنت السابع حالة النفير العام في أرجاء أوروبا لمحاربة سليمان القانوني، وأصدر قرارا بمنح صكوك الغفران لكل صليبي يشارك بهذه المعركة وتم تكوين أكبر حلف عسكرى "الإمبراطورية الرومانية المقدسة": وتشمل كل من إسبانيا،إيطاليا، ألمانيا، النمسا،هولندا، بلجيكا، سويسرا، لوكسمبورغ، مناطق واسعة في فرنسا، وأراضي أوروبية أخرى ومملكة المجر: وتشمل المجر وسلوفاكيا وترانسيلفانيا وهي رومانيا الحالية إضافة لشمال صربيا، مملكة بوهيميا: وهي جمهورية التشيك الحالية، مملكة كرواتيا، مملكة بولندا،إمارة بافاريا الألمانية: وهي ولاية البايرن الألمانية، جيوش الدولة البابوية، إضافة لمرتزقة أوروبيين من عدة مناطق، فكونوا جيش من خيرة فرسان أوروبا مدعمين بأسلحة متطورة، جيش موهاكس الصليبي كان بقيادة مجموعة من أعظم قادة المجر وقتها على رأسهم: الملك لويس الثاني ، وملك مملكة المجر “بال توموري” وهو قسيس قاد أحد أجنحة الجيش بنفسه لبث الروح الصليبية لدى المقاتلين.

قبل المعركة :
سار السلطان سليمان من إسطنبول في (11 من رجب 932 هـ= 23 من إبريل 1526 م) على رأس جيشه، الذي كان مؤلفًا من نحو مائة ألف جندي، وثلاثمائة مدفع وثمانمائة سفينة، حتى بلغ "بلجراد"، ثم تمكن من عبور نهر الطونة (الدانوب) بسهولة ويسر بفضل الجسور الكبيرة التي تم تشييدها، وبعد أن افتتح الجيش العثماني عدة قلاع حربية على نهر الطونة وصل إلى "وادي موهاكس" بعد 128 يومًا من خروج الحملة، قاطعًا 1000 كيلو من السير، وهذا الوادي يقع الآن جنوبي بلاد المجر على مسافة 185 كم شمال غربي بلجراد، و170 كم جنوبي بودابست، وكان في انتظاره الجيش المجري البالغ نحو مائتي ألف جندي، من بينهم 38000 من الوحدات المساعدة التي جاءت من ألمانيا، ويقود هذه الجموع الجرارة الملك "لويس الثاني"، حيث قام الصدر الاعظم إبراهيم باشا باعداد الخطة التي تتضمن انسحاب مقدمة العثمانيين وتراجعها حتى يندفع المجريون نحوهم فتحصدهم المدافع والقناصة العثمانيين.

يوم الملحمة :
وفي صباح يوم اللقاء الموافق (21 من ذي القعدة 932 هـ= 29 من أغسطس 1526 م) دخل السلطان سليمان بين صفوف الجند بعد صلاة الفجر، وخطب فيهم خطبة حماسية بليغة، وحثهم على الصبر والثبات، ثم دخل بين صفوف فيلق الانكشارية وألقى فيهم كلمة حماسية استنهضت الهمم، وشحذت العزائم، وكان مما قاله لجنوده وهم ينظرون لجيوش أوروبا المتراصة، التى لا يرى الناظر آخرها بصوت باكٍ:
"إن روح محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم تنظر إليكم بشوق ومحبة"
فلم يتمالك الجند دموعهم التي انهمرت تأثرًا مما قاله السلطان.
اعتمدت خطة السلطان سليمان على وضع تشكيل جيشه بطريقة 3 صفوف على طول 10 كلم، ووضع قواته الانكشارية في المقدمة، وهم الصفوة، ثم الفرسان الخفيفة في الصف الثاني، معهم المتطوعة والمشاة وهو والمدفعية في الصف الأخير.
وهجم المجريون عقب صلاة العصر على حين غِرة، فأمر السلطان قوات الانكشارية بالثبات والصمود ساعة فقط، ثم الفرار، وأمر الصف الثاني الفرسان الخفيفة والمشاة بفتح الخطوط والفرار من على الأجناب، وليس للخلف، وبالفعل صمدت الانكشارية الأبطال، وأبادت قوات المشاة الأوروبية كاملة في هجومين متتاليين، بقوات بلغت عشرين ألف صليبي في الهجمة الوحدة.
وانقضَّت (القوة الضاربة) للأوروبيين وهي قوات الفرسان المقنعة بالكامل، ومعها 60 ألفاً آخرين من الفرسان الخفيفة، وحانت لحظة الفرار وفتح الخطوط، وانسحبت الانكشارية للأجناب وتبعتها المشاة، وأصبح قلب الجيش العثماني مفتوحا تماما، ودخلت قوات أوروبا بقوة 100 ألف فارس مرة واحدة نحو قلب القوات العثمانية.
فكانت الكارثة .. أصبحوا وجها لوجه أمام المدافع العثمانية مباشرة على حين غرة، والتي فتحت نيرانها المحمومة وقنابلها عليهم من كل ناحية، وخلال ساعة انتهى الجيش الأوروبي!
وحاولت القوات الأوروبية في الصفوف الخلفية الهرب لنهر الطونة فغرقوا وداسوا بعضهم بعضا، فغرق الآلاف منهم تزاحما، وسقط الفرسان المقنعين، بعد أن ذاب الحديد عليهم من لهب المدافع، وأراد الجيش الأوروبي الاستسلام، فكان قرار سليمان الذي لن تنساه أوروبا له حتى الآن وتذكره بكل حقد، لا أسرى، وأخذ الجنود العثمانيون يناولون من يريد الأسر من الأوروبيين سلاحاً ليقاتل ويرد به عن نفسه أو يذبح حيا، وبالفعل قاتلوا قتال اليائس من النجاة.
استمرت الحرب ساعة ونصف الساعة في نهايتها أصبح الجيش الصليبي في ذمة التاريخ، بعد أن غرق معظم جنوده في مستنقعات وادي موهاكس، ومعهم الملك لويس الثاني وسبعة من الأساقفة، وجميع القادة الكبار، ووقع في الأسر خمسة وعشرون ألفًا، في حين كانت خسائر العثمانيين ألف و خمسمائة شهيدًا، وبضعة آلاف من الجرحي.

نتائج هذه المعركة :
كانت معركة موهاكس من المعارك النادرة في التاريخ، حيث هُزم أحد أطرافها على هذا النحو من مصادمَة واحدة وفي وقت قليل لا يتجاوز ساعتين، وترتب عليها ضياع استقلال المجر بعد ضياع جيشها على هذه الصورة في هزيمة مروعة.

وبعد هذا الانتصار الهائل لم يبقَ للمجر مَن يدافع عنها، وواصل سليمان سيره حتى دخل مدينة بودابست عاصمة المجر في 3 ذي الحجة سنة 932هـ، وأصبحت المجر ولاية عثمانية، وعين سليمان عليها واليًا من طرفه، وانقضت بذلك مملكة الشر وحامية الصليب الأوروبي لقرابة عقدين من الزمن، ودفعت ثمن عداوتها للإسلام قديمًا وحديثًا؛ لأنها سنة ماضية ونهاية حتمية، كما قال عز وجل:
{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ. وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ} [الصافات:171-173].
إنه ماضينا المجيد الذي لا نعلم عنه شيئا.

روابط هذه التدوينة قابلة للنسخ واللصق
URL
HTML
BBCode

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

المواضيع الأكثر زيارة

انضم لنا علي الفيس بوك